القرطبي

58

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان ، فوجداني لا أعقل ، فدعا بماء فتوضأ ، ثم رش علي منه فأفقت . فقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم ) . أخرجاه في الصحيحين . وأخرجه الترمذي وفيه ( فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولدي ؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) الآية . قال : ( حديث حسن صحيح ) . وفي البخاري عن ابن عباس أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد ، والوصية للوالدين ، فنسخ ذلك بهذه الآيات . وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كجة ، وقد ذكرناها . السدي : نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان ابن ثابت . وقيل : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو ، فنزلت الآية تبيينا ( 1 ) أن لكل صغير وكبير حظه . ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع ، ولذلك تأخر نزولها . والله أعلم . قال الكيا الطبري : وقد ورد ( 2 ) في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الاسلام إلى أن نسخته هذه الآية ) ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك ، بل ثبت خلافه ، فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع . وقيل : نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس . والأول أصح عند أهل النقل . فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العم ، ولو كان ذلك ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه . ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحريم . قلت : وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال : ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة ، وهو أن ما كانت [ عليه ( 3 ) ] الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الاسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه ، لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما ، لان الاحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت ( 4 ) . قاله ابن العربي .

--> ( 1 ) في ب : تنبيها . ( 2 ) في ب : روى . ( 3 ) من ب وج‍ وى وط وز . ( 4 ) في ابن العربي : ( وقعت ) ، وفي ى : طامة .